ربما أصبحت حادثة العائلة السورية التي عزلت نفسها عن العالم الخارجي بسبب إصابة العديد من أفرادها بفيروس H1N1 المسبب لمرض إنفلونزا الخنازير معروفة لدى الكثيرين، ولكن يجب تسليط الضوء أكثر على هذه الحادثة لأنها تحمل دلالات عميقة وخاصة مع مثل هذا المرض خطير.
بدأت القصة عندما ارتابت إحدى المواطنات من بعض الأعراض على أنها يمكن أن تكون بسبب مرض إنفلونزا الخنازير ولأنها تملك الوعي الكافي فقد سارعت إلى مراجعة الجهات المختصة للكشف عن حقيقة هذه الأعراض. إلا أن الإهمال الكبير من قبل الموظفين من عدم إرسال العينات إلى المخابر أو عدم إرسال استمارة مع العينة والتأخر في فحص العينة إلى إرسال عينة فاسدة بسبب سوء التخزين، ووصل بهم الأمر حد الكذب على المريضة وأهلها وإخبارها بأنها غير مصابة مما أدى إلى اختلاطها بأطفالها وباقي أفراد العائلة إلى أن وصل عدد المصابين إلى خمسة شخصاُ أصغرهم يبلغ من العمر 4 أعوام فقط وكان العدد مرشحاً للزيادة بعد اختلاطهم بأكثر من عشرين شخصاً آخرين من محيطهم.
ولولا التحقيق الذي قامت به سيريانيوز مشكورة لما علم أحد بما حدث ولولا وعي العائلة لربما امتد المرض إلى عشرات بل مئات الأشخاص الآخرين. وقامت أيضاً سيريانيوز بالاتصال مع المسئولين المباشرين وهما مدير الأمراض السارية والمعدية في وزارة الصحة الدكتور محمود كريم ومدير المخابر في وزارة الصحة الدكتور هزاع الخلف للوقوف عند المشكلة وإيجاد حل سريع لها قبل أن تتفاقم، ولكن إمعاناً في الإهمال والفساد الأخلاقي شكك كل منهما في رواية العائلة حول إهمال حالتهم الخطرة من قبل الموظفين. وجاء أخيراً السيد وزير الصحة رضا سعيد وبادر بعد أسبوعين فقط من نشر التحقيق إلى الاعتذار من العائلة على التقصير في اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.
ولكن…
هل يكفي اعتذار السيد الوزير؟ مثل هذه المشاكل أو المصائب لا تحل بتبويس الشوارب، بل بحاجة إلى إجراءات عملية وفورية منها تقديم العناية الفورية لهذه العائلة وإنزال العقوبات الشديدة بحق كل المقصرين وعلى رأسهم مدير الأمراض السارية والمعدية ومدير المخابر والأهم من ذلك العمل على ضبط الإجراءات المتبعة وتشديد الرقابة عليها لمنع تكرار ماحدث مرة أخرى. ومن ناحية أخرى وبعد قراءتي لقصة هذه العائلة دخلت إلى موقع وزارة الصحة للتعرف على عدد المصابين بإنفلونزا الخنازير في سوريا وللإطلاع على طبيعة الإجراءات المتخذة لذلك وكانت صدمتي كبيرة! فلم أجد أي إحصائيات حول انتشار المرض في سوريا ولم ألاحظ جدية في التعاطي مع مثل هذه المسائل الخطيرة حتى أن لائحة المشافي العامة المعتمدة لاستقبال الحالات المشتبه بها لمرض إنفلونزا الخنازير لا تتضمن أي عنوان أو رقم هاتف بل فقط اسم المشفى والمحافظة التي يتواجد فيها!
ومن الجدير ذكره في هذا السياق أن الإهمال لا يقتصر على وزارة الصحة فحسب بل يتعداها إلى موظفي المنافذ الحدودية، فقد انتشرت مؤخراً أحاديث منقولة عن العديد من القادمين عن طريق مطار دمشق تفيد بأن مراقبة المسافرين المشتبه بإصابتهم شبه معدومة، وهنا أتوجه بالسؤال إلى الصديق ياسين صاحب مدونة أمواج إسبانية: هل لاحظت مثل هذه الإجراءات لدى قدومك إلى سوريا مؤخراً؟
فهل بعد كل ذلك نصدق أن هناك إجراءات حقيقية لمنع انتشار هذه الجائحة في سوريا؟ وهل نصدق أن عدد المصابين فقط 17 حسب البيانات الرسمية؟
لا أعلم كيف يمكن الاستهانة بمثل هذا الأمر من قبل المسئولين المباشرين والغير مباشرين، هل يعلمون شيئاً عن سرعة انتشار المرض؟ هل يعلمون أن عدد الإصابات التي سجلت في بريطانيا حتى تاريخ 13 تموز تجاوز 100 ألف إصابة! هذا بالنسبة إلى دولة متقدمة لديها كل الموادر البشرية والتقنية والمادية اللازمة لمواجهة هذه الجائحة، فما بالكم بدولة مثل سوريا؟ أليس هذا بعينه الذي يمكن اعتباره تهديداً للأمن الوطني لأنه يمكن أن يؤدي إلى موت آلالاف المواطنين وخسارة المليارات؟
| Comments |
|
| Blog: |
| مدونة حسين غرير |
|
Topics:
|
| سياسية, حقوقية, اجتماعية |
هذا الموقع لا يعمل بشكل صحيح على متصفحات IE وسوف أعمل بأقرب فرصة على حل المشكلة.
بكل الأحوال أنصح باستخدام Firefox
© 2009 مدونة حسين غرير All Rights Reserved.
Joomla Templates designed by Best Joomla Hosting