لماذا يرتبط شرف الرجل بجسد المرأة؟ لماذا لم يعد العلم والعلماء والعمل والإنجاز وحماية الوطن من دواعي الشرف؟
لماذا نقتل من أحبت أو حتى تعرضت لجريمة اغتصاب دفاعاً عن شرفنا وفي الوقت نفسه نحني رؤوسنا ونقبل حذاء من ملأ خزائنه على حساب قوت أطفالنا؟
لماذا سكتنا عن ادعاء المرتشي للشرف وقتلنا نساءنا بداعي الشرف؟
تهاون القانون والقضاء مع القاتل
يجسد القانون، بغض النظر عن مصدره، السطلة القهرية للدولة والمجتمع على الفرد، وهو شرط لازم لصلاح المجتمع ولالتزام أفراده بالسلوكيات التي تحافظ على حقوق الجميع، ثم تتحول هذه السلوكيات إلى ثقافة عامة تشوبها بعض الاستثناءات. وإن تهاون القانون في حقوق فئة من المجتمع فمن الطبيعي أن تتغول الفئات الآخرى عليها وتحقق مصالحها على حساب الفئة التي لم ينصفها القانون.
أما القضاء فهو الجهة المنوط بها تطبيق هذا القانون وفرضه على الوقائع المختلفة. ومن نافل القول أنه إن طال الفساد، المادي أو الأخلاقي، القضاء أختلطت الحقوق وضاعت.
فما بالنا في حالة جرائم الشرف أن القانون تهاون في حقوق الضحية الأنثى وأن القضاء فسد أخلاقياً، وربما مادياً في بعض الأحيان، وانحاز إلى جهة القاتل الذكر؟
عندما يفاجئ أحدهم إحدى نساء عائلته في وضع يدل على ممارسة الجنس فهو سوف يستفيد مباشرة من المرسوم 37 وينال حكماً لا يقل عن سنتين من الحبس وتدعم المادة 241 هذا الاتجاه أيضاً، بحيث لا يتجاوز الحكم ثلاث سنوات. وليس من الصعب أن يدعي القاتل أنه فاجأ الضحية بهكذا وضع، لأن الشاهد الوحيد أصبح تحت التراب! وحتى في الحالات التي لا يستطيع القاتل ادعاء ذلك، أي تنتفي القدرة على استخدام المرسوم 37، فهناك منافذ قانونية أخرى. فالمادة 192 التي لا تفسر معنى الدافع الشريف ويمكن اللعب بها وفق اجتهادات القاضي وثقافته الذكورية لاعتبار أن الجريمة ارتكبت بدافع شريف وتدعمها المادة 242 التي لا تشترط عنصر المفاجأة بل تتحدث عن ثورة غضب ولا تحدد ماهي الأعمال غير المحقة التي يأتيها المجني عليه، ومرة أخرى وبدلالة المادة 241 يمكن للقاضي أن يحكم على القاتل بالحبس دون التشغيل لمدة سنة واحدة فقط. وحتى في الحالات التي لا يوجد فيها أي نوع من العلاقات الجنسية أو حتى العاطفية يستطيع القاتل وبدعم من أفراد أسرته أن يدعي أنه قتل بداعي الشرف ليسرق ميراث أخته مثلاً وسوف يكون القانون والقضاء عوناً له في ذلك.
إن وجود مثل هذه النصوص القانونية لا يكفي لتخفيف العقوبة على القاتل إلى الحد الأدنى، فهي ليست إلزامية، بل تلعب فقط دور الثغرات الجاهزة لاستخدامها من قبل المحامين والقضاة وذلك بحسب قيمة حياة الإنثى لديهم إن كانت تمثل لهم إنساناً له الحق المساوي للذكر بالحياة أم مجرد شيء أو متعة. وربما يلعب ضمير القاضي والمستوى المادي للقاتل دوراً في استخدام هذه الثغرات أيضاً. ويمكن للقاضي وبسهولة، إن أراد تطبيق جوهر العدالة، ألا يعتد بهذه النصوص ويعتبر الحالة جريمة قتل عمد أو عن قصد ويطبق عليها ما هو سار في قانون العقوبات.
والشق الأكثر خطورة في مسألة تهاون القانون والقضاء في جرائم الشرف يكمن في إضعاف هيبة الدولة وسلطتها من خلال سلبها حقها الحصري بالقصاص، وسوف يقوم كل أحد بتفسير الحق بما يراه مناسباً لمصالحه ليتحويل الوطن إلى غابة يقوم كل فرد فيها بأخذ حقه بيده.
الثقافة الذكورية
يرى الكثيرون في جسد المرأة ساحة يخوضون فيها معاركهم لتحقيق انتصارات سياسية وإيديولوجية على الآخر. فبين من يجد فيه آخر معاقل "عزة الأمة" الذي يحاول الغرب ومن"والاهم" السيطرة عليه للإجهاز عليها، وبين من يتخذه مؤشراً أوحداً لقياس مدى "تحرر" المجتمعات و"تحضرها". وكثيراً ما تنشب الحروب الكلامية حول قضايا اجتماعية أو/و سياسية تكون شرارتها الأولى شيئاً يخص هذا الجسد. هذه الرمزية لجسد المرأة تتغذى من عادات وتقاليد المجتمعات وعقائدها (2)، إلا أنها تعبر عن نفسها بكثافة عالية في الدول الشرقية مثل مصر وسوريا والعراق والأردن وإيران وباكستان وغيرها.
تتجلى هذه الرمزية بأشد صورها قتامة في أمرين مترابطين: اختصار كيان المرأة كلياً في جسدها، وثقافة امتلاك الرجل لها. فتصبح المرأة مجرد أداة إنجاب ووسيلة للحصول على المتعة. لكن هذا لا يفسر وحده تجسيد المرأة لشرف وكرامة الرجل، فلو كانت كأي وسيلة أخرى يمتلكها الرجل لإشباع رغباته وحاجاته لما استفزه جسدها بهذه الصورة ولربما استطاع مشاركته مع آخرين. إلا أن المرأة أشد "الأشياء" خصوصية من بين كل ما يمتلكه الرجل إلى درجة القدسية في الثقافة الذكورية. إنها كالجوهرة النادرة أو كالأحجار الكريمة، وهي كالأرض بالنسبة للمجتمع، لاتقبل القسمة على اثنين، وأي مساس بالأرض يعني مساساً بكرامة المجتمع وشرفه وعزته. وربما نجد هذا الترابط بين قدسية الأرض وقدسية جسد المرأة في مقولة "الأرض هي العرض". وكون المرأة مرغوبة "كشيء" شديد الخصوصية، وربما القداسة، ولأن هذا "الشيء" يمتلك من العاطفة والشهوة ما لا يملكه الرجل، بحسب ما يعتقده الناس، فقد تحولت إلى خطئية وفتنة متحركة.
ولدت ثنائية امتلاك الرجل للمرأة وإلصاق صفة الخطيئة بها ضغطاً على كل من الرجل والمرأة معاً بهدف الحفاظ على جسدها وعدم السماح بأي مساس به خارج ما تسمح به الأعراف (3). وتصبح من أولى مهام الرجل منع أي فعل يحتمل له أن يفضي إلى التعدي على ملكيته، وأولى مهام المرأة طاعة الرجل في ذلك، وأولى مهام المجتمع مراقبة حسن سير العملية برمتها حتى تسكن المرأة مثواها الأخير تحت التراب. والثقافة الذكورية لا يحملها الرجل وحده، بل تشاركه بها المرأة التي دجنت وقبلت أن تلعب الدور المرسوم لها، بل زادت عليه أنها أكثر عيون المجتمع حساسية ومراقبة لما قد تفعلنه نظيراتها. وفي هذا السياق، لا تكون المرأة هي الضحية الوحيدة للثقافة الذكورية، بل الرجل أيضاً بما يمثله كحارس لجسدها. لذلك يتحتم عليه في حال "شذت" المرأة في لحظة غفلة من الرجل، يتحتم عليه فعل أي شيء ليعيد الاعتبار إلى رجولته المجروحة والممرغة في الوحل، وحتى إن تضمن هذا قتل المرأة التي أصبحت مجرد حجر مدنس بعد أن كان مقدساً.
تدني تقدير الذات
الفقر والبطالة والتخلف وتواضع الإنجازات الفردية والجماعية وضعف الشعور بالمواطنة وانتشار الثقافة الاستهلاكية بالإضافة إلى الثقافة الذكورية وغيرها من العوامل الأخرى تتبادل التأثير فيما بينها لتؤدي إلى تدني تقدير الإنسان لذاته وانتظاره رد فعل المحيطين به على مظهره وأفعاله ليستطيع الحكم على مدى صحتها. ومهما كانت المكانة التي يعطيها الآخرون للإنسان اعتماداً على "الأشياء" أو المظهر الخارجي تبقى القيمة الحقيقة للإنسان مغفلة ما لم يدركها بنفسه. البرهان على دور هذه العوامل خارج إطار هذا النص، لكن ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على تأثير تدني تقدير الذات في دعم انتشار الجرائم التي ترتكب تحت مسمى الشرف.
تقضي الثقافة الذكورية بامتلاك الرجل لجسد المرأة كأحد أثمن أشيائه، ولأن تقدير الذات متدنٍ عموماً في مجتمعاتنا فتصبح المرأة بوصفها هذا الشيء وسيلة لرفع أو الحفاظ على مكانة الرجل بين أقرانه، وتتعمق هذه الحالة في المجتمعات القبلية والريفية التي تتلاشى فيها حدود الفرد الشخصية. ويصبح تعلق الرجل برفعته وعزته، أي شرفه، التي يجدها في جسد المرأة أشد وطأة عليه عندما لا يمتلك شيئاً آخر يفاخر به أمام الآخرين. ومن ناحية أخرى فإن توزيع الأدوار في المجتمع يحمل الرجل معظم الضغوط المعيشية اليومية، حتى وإن كان يتقاسم العمل مع المرأة فتبقى المرأة وسيلة إنتاج في هذه الحالة ويبقى هو المسؤول عن تصريف شؤون الأسرة. وعندما تشتد الضغوط قابلة للاحتمال مضافاً إليها ارتباط مستوى تقدير الذات بنظرة المجتمع الميحط، يصبح من الضروري تنفيس هذا الضغط بأي شكل منعاً للإنفجار. وقوانين الطبيعة تقول أن الضغط العالي يتم تفريغه في أضعف نقطة أو في الأماكن ذات الضغط الأقل كما في حال الزلازل والبراكين والعواصف. والحلقة الأضعف في المجتمع هي المرأة.
الهوامش
المواد القانونية ذات الصلة
| Comments |
|
|
| Blog: |
| مدونة حسين غرير |
|
Topics:
|
| سياسية, حقوقية, اجتماعية |
هذا الموقع لا يعمل بشكل صحيح على متصفحات IE وسوف أعمل بأقرب فرصة على حل المشكلة.
بكل الأحوال أنصح باستخدام Firefox
© 2009 مدونة حسين غرير All Rights Reserved.
Joomla Templates designed by Best Joomla Hosting